المساءلة الجنائية في كارثة قتل الاطفال/ عبد الفتاح طوقان

المساءلة الجنائية في كارثة قتل الاطفال
عبد الفتاح طوقان
مشكلة الاردن الكبرى هي استدامة الوزراء استخدام مصطلح ” لا صحة لما صدر او قيل”، وتخليهم عن مسؤولياتهم وانكارهم اخطائهم وعدم الاعتذار عنها والنفي والتصريحات السيئة بسبب ضعف تشكيلة الحكومات وقلة مصداقيتها.

وفي حالة موت طلبة المدرسة بالأمس هم قتلي و ليس اموات و ذلك نتيجة الاهمال، لذا فأن القضية ليست فقط الم وحزن وتقصير ويوم حداد وطني بسبب رحيل أكثر من ٢١ طالب مدرسي اثناء رحلة في يوم غير موفق، الأجواء به ماطره والطرق والجسور في حاله سيئة ولكن الكارثة هي في العند والتكبر المستمر لدي بعض الوزراء ودفاعهم المستميت بلا حق او اساس ونفيهم مسؤوليتهم عن الكارثية التي حدثت، فبات النفي الحكومي كارثة بكل المقاييس ويتنافى مع ما قام به رئيس الوزراء من تشكيل لجنة تحقيق، و لم يتعرض احد عن الكيفية التي اوصلتهم الي نتيجتهم المصائبية.

واقصد هنا القضية هي قضية جنائية قتل فيها طلاب مدرسة نتيجة اهمال متعمد، وقضية تقصير حكومي في عدم سلامة الطرق وانهيار إنشاءات وطرق وجسر وفي التعامل المتأخر مع الكارثة وكأن الأردن يعيش بعيدا عن مفهوم ” إدارة الازمات” التي هي علم يدرس.

مطلوب لجنة عسكرية عليا لدراسة عملية الإبلاغ والإنقاذ والاخلاء التي تمت، سرعتها و دقتها و من شارك فيها و التنسيق كيف تم ، والجاهزية من لحظة التبليغ الي حين اغلاق الملف بإيجاد رقم ٣٧ من الطلاب ، وكيف قام من هم في اجازات بالدخول الي الموقع دون اعلام او استئذان و دون غيرهم من المرتبات بعمليات انقاذ بطولي لا شك ( شكرا لهم و لكنه مخالف للأصول و السلامة حسب كتب العمليات و الإنقاذ الدولية ) دون الرجوع الي المسؤول و المخاطر التي نتجت عن ذلك ،و اين كان غيرهم من ذلك الحدث ، حتي تكون مرجعا مستقبليا للعمليات المشابهة ان حدثت لا سمح الله او تكررت.

لقد نفي وزير اشغال سابق، المهندس سامي هلسه المسؤولية (في عهده، أي وقت حكومة الدكتور هاني الملقي) وهي اشاره ضمنية انها تقع في عهد وزير اخرو تعلل ان الجسر الذي انهار (حسب ما أورد هو) يبعد عن موقع موت الأطفال خمس كيلومترات وكأن القضية تقاس بالكيلو في سوق خضار!

والسؤال الاسهل للوزير الذي استلم المنصب: ماذا فعلت نحو صيانة الجسور والطرق منذ باشرت المسؤولية؟ وما هي متابعتك مع قسم الطرق ومدراء الاشغال في المحافظات والبلديات وفي الوزارة؟، هل لديك توثيق لحالات الطرق من حيث التعديل و التوسيع و التمديد و الصيانة و التصدعات و الانهيارات المحتملة واللافتات القانونية و الارشادية التحذيرية ، و طرق الصيانة و المعالجة منذ انشاء الجسور الي يوم ان تركت، موضحا به الموقع والرقم والحالة واليوم والساعة واسماء أعضاء اللجنة التي درست الموقع وقدمت التوصيات؟، واين هي المحاضر ليطلع عليها أعضاء لجنة التحقيق؟، ونفس الشيء ينطبق على من استلم من بعدك؟، اين محاضر القرارات والتوصيات والإجراءات التي تمت ذات العلاقة بسلامة استخدم الطرق والجسور وصيانتها؟ اين التأمين الاجباري على أخطاء التصاميم والتنفيذ؟ اين بيانات التزام جهاز الاشراف من قبل الوزارة والمكتب الاستشاري؟ اين بيانات وتقارير الرقابة على التنفيذ؟ اين واين يا صاحب المعالي والنفي؟. وإذا لا يوجد فتلك مسؤولية جزائية وأصابع الاتهام توجه عبر النيابة بلا منازع في دولة من المفترض تصدح يوميا ” انها دولة القانون “.

وفي نفس اليوم، يوم الجمعة ٢٦/١٠ /٢٠١٨، نفي وزير البلديات الحالي المهندس وليد المصري الذي هو عضو لجنة التحقيق بحيثيات كارثة البحر الميت بعد ساعات قليلة من اعلان تشكيل اللجنة وورود اسمه بها، وقبل اول اجتماعاتها وقبل تواجد اي دراسة وقبل الاطلاع على أي أعداد من التقارير فنية وإدارية وقانونية قائلا ومتفردا من عقله: ” انه لا وزارات الاشغال ولا البلديات ولا الصحة مسؤولة عن الحادثة والمسؤول عنها هو الذي سير الرحلة المدرسية في الظروف الجوية السيئة”. انتهي الاقتباس.

هل يعتبر ذلك راي اللجنة التي يرأسها نائب رئيس الوزراء خل أرسلت الي الوزير تعليمات وطلب اليه ان يصرح بها ام انه راي الحكومة وتوجيهها للجنة. اليس ذلك استهتارا بحياة من مات من الأطفال وبقلوب وعقول وعواطف إبائهم وامهاتهم المصدمون؟

بذلك التصريح والاستدلال الخاطئ الذي يأتي قبل اجتماعات اللجنة وأي تحقيق، لا معني له الا أن الوزير له موقف مسبق، غير عادل، ومن البداية هي بداية منحازة للوزارات ومتسرعة تشوه الحقائق، وهو ما يتعارض مع الشفافية والمصداقية واخلاقيات التحقق، مما يستوجب من رئيس الحكومة د. الرزاز فورا إخراجه من اللجنة ان لم يكن من الوزارة المشكلة خصوصا وان وزارة البلديات تقع عليها مسؤوليه متداخلة واختصاصات مشتركة مع الاشغال فيما يتعلق بالطرق داخل المحافظات. ويشابه موقف وزير البلديات التصريحات التي استمع اليها العالم “ان القتل لم يتم في القنصلية، ثم بعد ١٧ يوما تم الاعتراف “.

وأيضا في نفس اليوم نفي نقيب المقاولين الأردنيين مسؤولية شركات المقاولات الأردنية عن انهيار الجسر مصرحا ان المقاول الأردني لا غبار عليه والمنفذ كان شركة صينية، متناسيا ان الشركة الصينية حسب الأنظمة والتعليمات المحلية لا بد وأن لها عقد مقاولة معتمد حسب القوانين السارية و ان نقابة المقاولين ممثلة في لجان العطاءات و الإحالة انه لا بد من وجود وكيل مقاول أردني محلي وأسندت بلا شك اعمال الي مقاولين أردنيين فرعيين، وتعاملت مع شركات فحص تربة والجيولوجيا، كلهم عليهم تقع مسؤولية سلامة استخدام المنشاء وهذا يتبع المسؤولية الجزائية في التشييد و البناء.
على اللجنة ان تتحقق من عقود الوكالة التي هي بين الشركة المنفذة والمقاولين الفرعيين من الباطن والتزاماتهم وما اتفق معهم على تنفيذه، من خلال المستندات التعاقدية نحو المقاول الرئيسي، ما قدموا من تأمينات في المشروع ضد حوادث الانهيار، الحرائق والوفيات وغيره اثناء وبعد الانشاء، والذين هم جزء لا يتجزأ من المسؤولية الجنائية.

على لجنة التحقيق التأكد أيضا من الجرائم العمدية في عدم مراعاة أصول البناء الفنية عند التصميم والتنفيذ اللذان هما في تلك الحالة العنصران الاساسيان في القصد الجنائي للتعرف على نوعية العقوبة في نطاق مسؤولية وزير الاشغال (اكثر من وزير) و طاقم وزارته سواء كان بالعمد او الإهمال.

طبعا الكل يريد التهرب من المسؤولية و يضع كل المسؤولية علي مالك المدرسة باعتباره الطرف الاضعف، مع العلم انه حسب قانون الطرق الأردنية رقم ٢٤ الصادر في عام ١٩٨٦، تكون وزارة الاشغال حسب المادة (٣) مسؤولة عن كافة الشؤون والاعمال المتعلقة بالطرق في المملكة وذلك وفقا للأحكام وضمن الصلاحيات المنصوص عليها في هذا القانون، تضع الخطط وتصنف الطرق وتقوم بالأشراف على الطرق وصيانتها وتحسينها او تنفيذ كافة الاعمال التي تضمن رفع كفاءتها وتؤمن اقصى درجات السلامة في واستخدامها وتزويدها لذلك الغرض بشواخص وعلامات المرور وتثبيت أية اشارات او إعلانات الي بقية البنود. لذا الوزير مسؤول عن الطرق والسلامة عليها.

وينفي وزير التربية والتعليم انه وافق على الرحلة متعللا ان الموافقة كانت لرحلة الي منطقة الأزرق غير مفرق بين منطقة الأزرق وزرقاء ماعين، ويحمل المدرسة المسؤولية وهو يشغل وزارتين رغم انه لا يعرف مناطق الأردن.

للأسف من يعرف عقلية الحكومات المتعاقبة لا يستغرب من “النفي” لأنه دوما الحكومة تنفي، ونذكر هنا مثلا نفي وزير الاعلام الأسبق وهو في “لندن “ان خالد مشعل القيادي الإسلامي قد تعرض لهجوم من الموساد في “عمان” وبعدها تدخل الملك الحسين وطلب الترياق المعالج للسموم من رئيس وزراء إسرائيل وخرج الوزير من الحكومة.

عوضا عن النفي، كان لا بد من الاعتذارلانه هو سيد الموقف الأخلاقي في يوم حداد وطني.

ان ما حدث، في عرف القانون، هو مسؤولية جنائية تلاحق المتسبب والوزراء والحكومة، وهذه المسؤولية الجنائية سابقة في الظهور على المسؤولية السياسية ولا يمكن الفصل بينهما حيث “يترتب على موت الأطفال ان يحكم على الوزير بعقوبة جنائية وان تقال الحكومة نفسها وتقدم الي قضاء عادل ويتم تعويض اسر الضحايا من قبل الحكومة وكل من اشترك في الإهمال الذي ادي الي الجرم. ان العدل يفترض عقوبة باسم المجتمع علي الوزير والحكومة.

. ينتظر الشعب ان تنشر وتعلن نتائج التحقيقات علنا وبشفافية، من لجان فنية هندسية وقانونية مختصة وليست لجنة سياسية يرأسها نائب رئيس وزراء هو في الاصل خبير اقتصادي، لجنة لا تضم مؤسسات مهنية ذات خبرة من المجتمع المحلي او خبراء من الجامعات الأردنية والمهندسين، غير محدد لها مدة لتقديم تقريرها والمفترض في الدول الديمقراطية ان يرفع التقرير الي البرلمان في الوقت الذي تسير في النيابة الي المحكمة بينما الجميع في الحجز التحفظي بانتظار عدالة الأرض قبل السماء.

لا نريد لجنة “حبر علي ورق” ولكن نريد لجنة إرادة واحداث نقلة إيجابية في دولة القانون بما يقدمه خبراء محايدون وذات نتيجة قانونية مبنية على أسس فنية عادلة للحد من التهرب من جرائم التشييد والبناء ومن انكار مسؤوليات العمل الوزاري والتي تودي بحياة العامة. لتكن كارثة الموت فصلا للتعلم وعبره ودرسا مستفادا.

أن كارثة البحر الميت هي جريمة المسؤولون عنها عدة جهات حكومية وخاصة أسهمت بصور مختلفة الي الموت و قتل أبرياء من أطفال ملائكة، و هي قضية ليست شخصية بل قضية مجتمع في مواجهة تقصير واهمال الحكومات في مملكة شعارها ” الانسان اغلي ما نملك”.

[email protected]