أحمد بن بيلا.. وأنا.. حديث على ضفاف دمشق / عدنان نصار

كنانة نيوز –

أحمد بن بيلا.. وأنا.. حديث على ضفاف دمشق

عدنان نصار
(تنويه)
ما يحدث من مجازر ص هي,ونية بحق الابرياء في قطاع غ,زة..، وتصريحات “بنيامين نتنياهو” اول امس برفض إقامة دولة فلسطينية..، وتهديده بإلغاء اتفاقية “اوسلو” !! هو ما دفعني ، لاسنحضار الحوار الصحفي مع الرئيس الجزائري الأسبق الراحل أحمد بن بيلا ..
في فندق تشرين بالعاصمة السورية دمشق ، كنت احد المدعوين في أيار من عام 2001 لحضور مؤتمر يحاكي المستقبل الفلسطيني ، كان من بين الحضور الرئيس الجزائري الأسبق المناضل الراحل أحمد بن بيلا ..، كنت شغوفا بالرجل ومن المعجبين به ، وهي فرصة للقاءه بحديث صحفي ننفض به الغبار عن مرحلة الغموض العربي ومستقبل فلسطين ، لم يتردد الرئيس بن بيلا بمنحي الموافقة وبنفس اللحظة قائلا :”لنجلس في بهو الفندق على طاولة هادئة قدر الممكن..” فوقع اختيارنا على طاولة تلتصق بنافذة زجاجية تطل على حديقة الفندق ، وطلبنا قهوتنا المفضلة تمهيدا لبدء حديث هاديء..
قهوة الرئيس الراحل “ساده” بلا سكر ..وبلباقة الرؤساء، وتواضع الحكماء ، وعمق الأنقياء ، ورجاحة الأتقياء ، ابتسم الرئيس و”تنحنح” ثم اردف: من أين نبدأ يا استاذ عدنان..؟ قلت :لنبدأ سيادتك من عنوان مؤتمر يجمعنا ، مستقبل فلسطين ودولتها وحركات التحرر المناضلة من اجلها..،راح بنظراته نحو النافذة ،ثم التفت نحوي ليجيب : لنتحدث بشفافية ، فلسطين هي قضية الاحرار المركزية ، وليس بالضرورة كل العرب هم أحرار ، واقصد بذلك – والقول للرئيس بن بيلا – كنا نتمنى أن تكون فعلا قضية قسطين هي القضية المركزية للعرب جميعا ، لكن ثمة دول كان ظاهرها السياسي إقامة دولة فلسطينية وباطنها تمد اليد نحو الاحتلال الاسرائيلي وكأنها تبارك الاحتلال وتدعو له بالديمومة.!!
قاطعته بالقول : هل نعتبر ذلك مجرد مزايدة وطنية وقومية من دول تقصدها لإرضاء شعوبها، ام انها مغلوب على أمرها ..! ليجيب الرئيس الراحل : لأ ..طبعا مغلوب على أمرها، ولا تملك قرارها السيادي في قول ما تريد من حقائق لا يمكن للتاريخ آن يغفلها ، وهي بالتأكيد مغلوب على أمرها لاعتبارات نحن نفهمها سياسيا ، وكنا نطالب حينما كنا على سدة الرئاسة الجزائرية في مؤتمرات عدة ان ينقلب العرب على الاملاءات الدولية ، وخاصة الأمريكية غير الموثوقة لبيان موقفها وتوحيد كلمتها ..لكن لم تكن الاسنجابات على نحو افضل أيضا لأسباب نفهمها..ويضيف الرئيس الراحل : أميركا والصهيونية العالمية من خلفها لا ترغب مطلقا برؤية الدول العربية تمتلك سيادة القرار مستشهدا بالملك فيصل بن عبد العزيز رحمه الله كيف كانت نهايته لانه هدد بوقف النفط في حربنا مع اسرائيل ..وتنبأ في حينها الراحل بن بيلا في حواري الصحفي معه بمستقبل العراق عموما والشهيد الرئيس صدام حسين خصوصا مشيرا بعبارة ممزوجة برؤية ثاقبة :”الله يستر العراق ..ويقف مع رئيسه” .!!
لحظة صمت قبل أن ننهي قهوتنا ، وبريق عيون الرئيس الراحل تلتمع مثل الصفصاف حزنا وحدادا على غموض المستقبل العربي وقضية فلسطين ، وبحركة يد التفافية أخرج الراحل منديله الأبيض من جيبه ليمسح جبينه من حبات عرق مرارة الغموض العربي ، وقال بشكل مباغت قبل أن اسأله :ما أخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة ..تلك عبارة الرئيس ناصر قالها ونحن من المؤمنين بها ..لم نختلف مع ما قاله الراحل جمال عبد الناصر ..، وهاي الأيام تثبت بعد كل هذه الأحداث أن الصلح والمعاهدات لا تجد نفعا مع المحتل تحت أي عنوان كان ..لا بد من النضال وعلى حركات التحرر جميعها أن تعي ذاك .
استأذنت الرئيس الراحل بن بيلا بقهوة اضافية ، وإشعال لفافة تبغ ..ابتسم ، فهو على اية حال عضلات وجهه ترسم الابتسامة حتى وهو في أحلك الظروف ..، لعلها ميزة ميزت بن بيلا واعطته زخما في تركيبة الكاريزما لشخصية الرجل ..، القهوة حضرت مجددا ، وعلى قرقعة فناجين القهوة سألته والنادل يضع مناديل ورقية أمامنا:الجزائر نموذج للتحرر ، فهي وطن المليون شهيد ،ليجيب: تحيا الجزائر ..هذا وطن عصي على الاحتلال ، ولعلك قرأت تاريخ نضال الجزائر في مقاومة للاحتلال الفرنساوي ، وأظن انك من جيل طلاب المدارس ممن غنوا وهتفوا للجزائر ذات يوم ..قلت :نعم ..وكنا في الاردن نجمع تبرعات مدرسية للثورة الجزائرية ، كنا نتقاسم فرحة النصر الجزائري ونحن نخرج ما في حصالتنا البيتية من نقود متواضعة لدعم الجزائر..ضحك الرئيس بصوت هاديء ومرتفع نسبيا ، قائلا بصوته الهاديء :هذا هو الجزائر العظيم ..نحن نريد لفلسطين أن تبقى على نهجها النضالي والتحرري رغم كل المتاعب، أو الخذلان من دول العالم ودول عربية ..هذه -والقول ما زال للرئيس بن بيلا- ضريبة التحرر ..والشهداء هم من يعبدون الطريق نحو الحرية لمحو الاحتلال ..
السيد الرئيس: تقييمك للوضع العربي الراهن.. وللتوضيح لقراء المقال الاعزاء ..هذا السؤال كان في العام 2001 ..؟!
الوضع الراهن يتطلب منا جميعا كعرب ومسلمين أن نوحد صفنا ، لنعلي كلمتنا واعادة كل حقوقنا العربية -هكذا يجيب الرئيس بن بيلا – ..وفي المقدمة الحق الفلسطيني ومن ثم الحق العربي في خيراته ومقدراته وتحريرها من سيطرة الغرب الذي يترفه على حساب المقدرات العربية ..نحن ندرك ان هنالك مصالح مشتركة مع العالم ، لكن ما نريده أن يكون هذا العالم عادلا في تقييم علاقاته ومنصفا في تقاسم المصالح ..لا يمكن لنا أن ننفصل عن العالم ، لكن على العالم أن يضع معايير عادلة لتحيا كل الشعوب بسلام واستقرار بما في ذلك الاستقرار والرفاهية الاقتصادية ..أما وجود الاحتلال الاسرائيلي في فلسطين فيتوجب الخلق القومي والانساني والحق التاريخي ان يخرج هذا المحتل من اراضي فلسطين ..وهذا يتطلب جهدا ووقتا ربما يكون طويلا لكن دعني أوضح مسألة أن مشكلتنا الاستثمارية في هذا الشأن هي مشكلة امريكية وليست اسرائيلية ، فأمريكا كما يعرف الجميع هي التي تمد بعمر الاحتلال وتعمل على تثبيته وتقويته بدعم مالي وعسكري تموله للأسف أمريكا من المقدرات العربية في غالبيتها.!!
ختمت اللقاء مع الرئيس بن بيلا قبل انعقاد الجلسة الثانية من مؤتمر مستقبل فلسطين ..شكرته على الحوار ، وصافحته للمغادرة غير أنه أصر على مرافقتي له لدخول القاعة لاستكمال الحوار فيما بعد ..