..

اليوم الذكرى 51 لاستشهاد وصفي التل

كنانة نيوز –

تصادف اليوم الذكرى الحادية والخمسين لاستشهاد رئيس الوزراء الأسبق، المرحوم وصفي التل، الذي اغتيل في القاهرة اثناء مشاركته في اجتماع مجلس الدفاع العربي المشترك يوم 28 تشرين الثاني (نوفمبر) 1971.
والمرحوم التل من أبرز الشخصيات السياسية الأردنية، تولى منصب رئيس الوزراء في الأعوام 1962 و1965 و1970، وعرف بإخلاصه وولائه وعشقه لوطنه وامته العربية ووحدتها.
وامتاز المرحوم بإيمانه بالعمل العربي المشترك والتصدي للأخطار التي واجهت الامة العربية، ودعمه لكفاح الشعب الفلسطيني في سبيل تحرير أرضه ووطنه.

ولخص وصفي فلسفته في الحكم بعد تجاربه العملية بالعبارات التالية : ” إن المواطن الذي يعيش في أمن حقيقي، هو وحده الذي يعرف كيف يموت بشجاعة في سبيل بلده. أما المواطن الذي يعيش في الخوف والرعب والفوضى، فهو لا يملك شيئا يعطيه لا لبلده ولا لأحد من الناس. ومن غير النظام والقانون، لا يمكن لأي مجتمع في هذا العالم أن يؤّمّن لمواطنيه أمنا حقيقا “.

آمن وصفي بتحرير أرض فلسطين المغتصبة بالقوة، من خلال إعداد قوة عربية مشتركة قادرة علة إنجاز المهمة. فحمل تصوره هذا إلى اجتماع وزراء الدفاع العرب في القاهرة، ولكن التآمر ويد الغدر كانتا بانتظاره على مدخل فندق الشيراتون في القاهرة، فسقط مضرجا بدمائه، وهو يحمل خطة التحرير بيديه. وبهذا الفعل الإجرامي اغتال الخونة قضية فلسطين المقدسة، قبل أن يغتالوا وصفي التل على أرض الكنانة.
سكن حب وصفي في ضمائر الأردنيين. فهو الرئيس الذي لم تمتد يده إلى المال العام، ولم يستغل موقعه الرسمي لتحقيق مكاسب شخصية، وكان نموذجا للمسئول المخلص، اهتم بالوطن والمواطن، وصَنَع هيبة للدولة، وحمل مشروعا قوميا لتحرير فلسطين. وبدل أن يأخذ وصفي من مقدرات الوطن . . فقد أعطى للوطن روحه ودمه الزكي.

وصفي التل يتنبأ باغتياله
بعد اغتيال هزاع المجالي عام 1960 ظهر تسجيل صوتي لوصفي التل يتنبأ فيه بقتله، فقال:

أنا ما بعتقد أنه في خير بالدنيا يمكن إنا نوصله بأسلوب فاسد لا أخلاقي. أما تنفيذ بالقتل كمان مرة أخرى بدون عواطف. المعركة ضد التهريج والتزوير وضد الخطأ معركة. لا بد يصير إلها ضحايا. بالنسبة للأردن بالذات، من ضحاياها كان هزاع، وبجوز أنا أكون ضحية، وبجوز غيري يصير ضحية. هذي معركة. إذا كنا على حق واجبنا نقدم هالتضحية. المؤامرة التي قتلت هزاع ما أضعفتنا. وإللي بدها تقتلني ما بتضعفناش. والقائمة بتمشي، إذا مات منا سيد قام سيد. وهناك في حتمية للخير وللصدق وللإستقامة، هذه الحتمية تفترض على الخير والصدق والإستقامة أن تنجح .

عندما قُتِل وصفي التل وُجد في جيبه الأيمن مسدس من نوع «سمث اند وسن» مفرغ من الرصاص والجيوب الأخرى كانت بها 60 جنيهاً مصرياً وورقة مكتوب عليها أن هذا المبلغ مياومات وصفي التل وغليون وعلبة تبغ. ووُجد أيضاً ورقة بيضاء طويلة فيها أسماء لأشخاص وكان مكتوب اسم أبو علي، أبو حسن ورجل من عائلة زهران تبين أنه كان يدير المزرعة ومع كل اسم مبلغ مالي وأكبر مبلغ كان في القائمة هو 11 ديناراً وقد تبين أيضاً أنها قائمة دين وأن وصفي كان مديوناً لبعض المزارعين الذين أحضروا سماداً لمزرعته في المفرق أما الألقاب مثل: أبو علي وأبو حسن فهي لأشخاص فقراء وكان وصفي يرسل لهم إعانة من راتبه الشهري.

تفاصيل حادثة الاغتيال

وصل وصفي إلى مطار القاهرة في 26 نوفمبر 1971 لحضور اجتماعات مجلس الدفاع العربي، وكان حريصًا على حضور الجلسة الأولى التي عقدت صباح يوم السبت، وفي صباح ذلك اليوم مضى وصفي و أعضاء الوفد الأردني إلى مبنى الجامعة العربية، وكانت له لقاءات مع رؤساء الوفود قبل الدخول إلى قاعة الاجتماعات وبدأ الاجتماع وانتهى، عرض فيه وصفي المشروع الأردني في الجلسة الصباحية، ثم عاد برفقة الوفد الأردني إلى فندق شيراتون القاهرة، وكان ذلك اليوم مزدحمًا بالعمل.

التقرير الذي قُرئ علينا تقرير واقعي يعتمد على الحساب وعلى العقلانية ويثير بعض الأمل ويبصرنا بحقيقة أن مجموعة الجهد المحشود للمعركة أقل بكثير مما تستحقه المعركة، والتوقيت يعتمد على الجهد المحشود وهذا لا يعني مطلقاً السكوت على العدوان، ومن واجبنا جميعاً الدخول في المعركة بالامكانيات المتوافرة لدينا، والتقرير يبين ان عنصر الوقت عملية مهمة لو توافر المال والمعدات ، ولا ينفع من أجل المعركة ان تكون جبهة قوية متكاملة وأخرى غير قوية متكاملة، فتكامل الجبهات امر ضروري من ناحية التساند العام والآخر الاكتفاء الذاتي لكل جبهة لكسب الوقت في المناورة في داخل الجبهة المعينة، وهذا يحتاج إلى اجتماع عربي على اعلى مستوى وفي غاية الالحاح وفي غاية الاهمية. ومن واجبنا ان نضع خطة للتخطيط وخطة للتزويد وخطة للمعركة ، والتخطيط بحاجة إلى قيادة سياسية وعسكرية ويجب أن يكون جهدنا في المعركة حقيقيا وصحيحا ومحسوبا وليس جهدا وهميا، واي خطأ يرتكب في أي جبهة ينعكس علينا جميعا وعلى المجهود العام.
ويؤسفني أن أقول إنه رغم محاولة الأردن المتواصلة للوصول إلى خطة عمل مع المقاومة لغايات التثوير ، فحتى هذه اللحظة لم نصل إلى اي اتفاق ولكني ما زلت واثقاً اننا نستطيع الوصول إلى اتفاق لحظة التثوير وهي خطة فنية معتمدة اساساً على مقررات مجلس الدفاع الموقر واعتقد ان قضية التثوير للاراضي المحتلة اذا احسنَّا تنفيذها فلدينا الرجال ولدينا المعدات والقدرات الفنية ولدينا التصميم والارادة على انجاحها واذا نجحت سيكون لها مردود كبير قد يغير الموقف العام.
وفي آخر حديث صحفي لوصفي مع صحيفة النهار اللبنانية، أكد أنّه يعلّق على الاجتماع أهمية قصوى، وأبدى اهتمامه بالتقرير العسكري لرؤساء الأركان لكونه أكثر التقارير العسكرية فهماً وإدراكا، مشيدًا بسعد الدين الشاذلي الذي وضعه، ومعتبرًا إياه شخصية عسكرية ذكية ملمة بأصول المهنة العسكرية.

وفي اليوم التالي 28 نوفمبر 1971 تابع وصفي اجتماعات المجلس وبعض النشاطات الرسمية في القاهرة. وفي نهاية الاجتماع وأثناء عودته إلى الفندق، أغتيل وصفي التل في ردهة فندق الشيراتون في القاهرة في الساعة الخامسة والنصف من مساء ذلك اليوم. فعند وصولهِ إلى الباب تقدم عزت رباح وأفرغ رصاصات مسدسهِ في جسد وصفي وسط ذهول حراسهِ والوزراء العرب الذين سارعوا بالاختباء، اخترقت تلك الرصاصات كتفه الأيسر من الأعلى وأصابت القلب وخرجت من صدره. تمت العملية بنجاح بعد تخطيط جواد أبو عزيزة البغدادي، ومنذر خليفة، وزياد الحلو مع العقل المدبر لهم وهو فخري العمري.

أعلنت منظمة أيلول الأسود عن مسؤوليتها عن العملية، وافتخر صلاح خلف (المشهور بالإسم الحركي أبو إياد) لاحقاً بأن منظمته هي التي خططت لقتل وصفي ونفذت ذلك.

تأثر الملك الحسين بشدة لوفاة وصفي التل ورثاه في مساء ذلك اليوم قائلا: «عاش وصفي جنديًا منذورًا لخدمة بلده وأمته، وقضى كجندي باسل فيما هو ماض بالكفاح في سبيلهما برجولة وشرف».

شكل اغتيال وصفي التل لغزًا كبيرًا على المستوى الوطني والإقليمي والعالمي، إذ ذكر الوزير الأسبق عدنان أبو عودة رواية مختلفة تمامًا عن عملية الاغتيال، يرى أبو عودة أن المسلحين الأربعة الذين اغتالوا وصفي قد لعبوا دور الكومبارس للتغطية على القاتل الحقيقي، ودليله على ذلك هو أن وصفي قتلته رصاصة قناص جاءت من خارج الفندق، وهو ما يؤكد على أن المسلحين الأربعة الذين كانوا في ردهة الفندق ما هم إلا للتغطية على الوقائع الحقيقية للجريمة، واصفًا عملية الإغتيال بالمسرحية الهزلية.

أما سعيد التل شقيق وصفي فيقول في مقابلة صحفية: «إن وصفي استشهد برصاصة قنّاص، وقد قال لي سامي قموه، الذي كان يعمل بالسفارة الأردنية في القاهرة، وشاهد جسد وصفي في المستشفى العسكري بالمعادي أنه كان خاليًا من أي آثار للإصابة بطلقات نارية باستثناء موقع القلب والصدر والذي تظهر فيه آثار لرصاصة قد اخترقته».

الاعتقال والمحاكمة
اعتقل الأمن المصري المنفذين وشرع في التحقيق معهم، وتوجهت أنظار الأمن المصري إلى أبو يوسف النجار وهو الأمر الذي نفاه التحقيق، أعلنت صحف القاهرة وعلى رأس الصفحة الأولى أن المتهم الأول والعقل المدبر للعملية وقائد المجموعة هو المتهم الفار فخري العمري، ومنذ ذلك اليوم بقى فخري العمري مطلوبًا للنظام القضائي الأردني حتى وفاته عام 1991.

في القاهرة استكمل التحقيق والمحاكمة التي شابها الكثير من العبث، قدم الرجال الأربعة الذين أطلقوا الرصاص من مسدساتهم إلى المحاكمة بعد اعترافهم، لكن تقرير الطب الشرعي أكد أنّ الرصاصة القاتلة لم تكن صادرة عن مسدس، وإنّما خرجت من بندقية قناص محترف أطلقها من مكان مرتفع في البناية المقابلة لمدخل الفندق، وعندما قرأ الرئيس أنور السادات الحيثيات التي توضح أنّ مقتل وصفي لم يكن من مسدسات الأشخاص الأربعة داخل الفندق، وأنّ رصاص المسدسات الذي أطلق على وصفي بعد أن وقع لم يصبه فقد أمر بوقف المحاكمة، قيل أيضًا أن الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي تدخل لإطلاق سراح المتهمين. فيما أكد وزير الثقافة الأردني الأسبق طارق مصاروة أن الدلائل تشير إلى أن العقيد معمر القذافي وراء اغتيال وصفي التل وأنه متورط بالفعل في اغتياله، ودعا المجلس الانتقالي الليبي إلى تسليمه ومحاكمته ومحاسبته في قضية التل وفي قضايا أخرى بينها اختفاء الامام موسى الصدر، لافتا إلى معلوماته تفيد بأن القذافي زار مرتكبي عملية اغتيال وصفي التل في سجنهم وحياهم، كما أشار الوزير إلى دور خفي لرئيس منظمة التحرير الاسبق أحمد الشقيري في العملية.

أفرجت السلطات المصرية عن المنفذين للعملية دون عقاب ولا محاكمة، فيما يمكن اعتباره دليلاً على تورط النظام الناصري. كانت معظم الدول العربية ضد الأردن في هذه القضية وكان هناك كره شديد لوصفي التل من الزعماء العرب وذلك بسبب أحداث أيلول الأسود، فالقضية كانت سياسية وليست جنائية. عند جلسة النطق بالحكم ودخول القضاة، جلس القاضي وقال: «بعد الإطلاع على الأوراق وسماع المرافعات والمداولة قانونًا وبعد الإطلاع على المادتين 145 و146 من قانون الإجراءات القانونية قررت المحكمة إخلاء سبيل المتهمين».