..

غطرسة أمريكا.. متى سنقول لعبود بعيرك اجرب؟ / نايف المصاروه

كنانة نيوز –

غطرسة أمريكا.. متى سنقول لعبود بعيرك اجرب؟

نايف المصاروه

الغطرسة هي التمادي في الظلم والجور وهظم الحقوق والتعالي على الخلق.

من سنن الله تعالى في الكون، فإنه لا يدوم حال أي متغطرس أو ظالم، مهما طال تعداد أيام وسنوات بقاءه، فإن عاقبة أمره إلى زوال.

ألم تروا كيف فعل الله بقوم عاد وثمود وهود وصالح ولوط والنمرود وفرعون، وغيرهم من الجبابرة الذي طغوا في الأرض وعاثوا فيها فسادا، فصب عليهم رب الأرباب سبحانه الوان العذاب، وجعلهم عبرة وآية لكل متجبر مستكبر ، وانذر غيرهم وما هي من الظالمين ببعيد.

والشيء بالشيء يذكر، يحكى بأنه كان هناك رجلا سيدا على قومه،اسمه “عبود” وكان متجبرا وظالما، وكان قومه يطيعوه مخافة سوطه وسطوته.
كان لعبود ايضا جمل مصابا بداء الجرب، وكان يتركه يذهب أنى شاء دون أي رقابة، فيعيث خرابا وفسادا في مزروعات القوم، ويختلط بجمالهم فيصيبها بداء الجرب.

كان قوم عبود يتهامسون فيما بينهم، عن ظلم عبود لهم، وغطرسته عليهم وأكله لحقوقهم ، وإفساد جمله لمزروعاتهم، ولكنهم لم يجرأ أحدا منهم على مواجهته  ، خوفا من بطشه وظلمه،” فالڤيتو” عنده جاهز لا يتأخر، يدافع به عن مصالحه.
ولكن بعد أن إزداد ظلم عبود لقومه، وإفساد جمله لمزروعاتهم  وزيادة أعداد الإبل التي أصيبت بداء الجرب، إتفق بعض من القوم على مواجهة عبود بواقع الأمر،وقد أنابوا شخصا كمتحدثا نيابة عنهم.
فاستإذنوا لمقابلته وعندما دخلوا على ديوانه ووجدوا ما وجدوا من الحرس والسلاح، وكل ما يلزم لإرهاب من يجرؤ على أقل القول… ، وعلى الفور صرخ بهم عبود.. ماذا تريدون، او ربما قالها بلسان أعجمي.. what do you want؟

فخاف الجمع وتلعثم المتحدث، ثم صاح بهم عبود مرة أخرى… ما الذي أتى بكم…who brought you؟

فهرب  الجميع ولم يبقى إلا المتحدث، حينها أدرك بأنه هالك لا محاله، فاستدرك حيلة ينجو بها، فقال، يا سيدنا ومولانا وولي نعمتنا عبود، إن جملك الجميل وحيد لا رفقة له، وقد إرتأيت أن أهديه ناقة من عندي لتكون له زوجة ورفيقة.
فرح عبود بالمبادرة وباركها ، ولكن قائد الحرس، لم يعجبه حالة الظلم والظيم التي يعيشها اهل بلدته، فأخرج سيفه من غمده، ووقف أمام عبود، وقال له بأعلى صوته، انت ظالم يا عبود وآكل لحقوق قومك ، ولا تقول الحق ولا تعدل به، وبعيرك أجرب، اصاب ابل القوم بالجرب.

في عالم السياسة  اليوم الذي يسود العالم الظلم والقهر، سياسيا وعسكريا واقتصاديا، تتغطرس أمريكا على الجميع ، وتلعب دور الشرطي غير النزيه، تماما كما هو حال فرعون مع قومه، وعبود مع أبناء  قبيلته.

أمريكا… تتبع سياسة العصا والجزرة، فلا تسمح أن ينافسها أحدا في قيادة العالم، ففعلت كل ما بوسعها لتبقى هي الأولى في كل شيء، حتى في الظلم والتجبر والطغيان.
وعلى الصعيد السياسي المشوب بالمكر والخداع، فقد عملت على تقسيم الاتحاد السوفيتي إلى دويلات، سرعان ما  تنكر بعضها لكل الماضي ، فأصبحت ألعوبة في ايدي الطامعين والمتربصين من قوى  وتحالفات لا تؤمن إلا بذاتها ولا تعمل إلا لذاتها  .

ومن حروب باردة وأخرى ساخنة، إلى أخرى مستعرة هنا وهناك، ومن فتنة إلى أخرى، تارة باسم الحرب على الإرهاب، وتارة بإسم الحرية الجوفاء والديموقراطية العرجاء ،فمن غزو فيتنام ، إلى الحرب على أفغانستان والعراق وغيرهما ، ثم تركت تلك الدول  تصارع ويلات الإرهاب والجهل والجوع والخراب .

دول كبرى وصغرى، تقوم مقام أمريكا في بعض الحروب، وتتصدى للنزاعات دونها ، ولا أدل على ذلك من تلكم الحرب التي تدور رحاها منذ أشهر ولا تزال قائمة حتى الآن، بين روسيا من جهة، وأوكرانيا ومعظم دول الاتحاد الأوروبي من جهة أخرى.

أمريكا.. تزود الحلفاء لها بالأموال والأسلحة، وشعوب تقتل وتباد وتهجر ، وبلاد تدمر، وحضارات تهلك، المهم ان يبقى “فرعون العصر وعبود ما غيره ” بطل الساحة وسيدها.

قرارات سميت بالرمزية تبنتها بعض  الدول مؤخرا، مفادها أن روسيا دولة راعية للإرهاب!

وهل الإرهابي من يدافع عن نفسه وارضه وأمنه؛
أم أن الإرهابي هو من يجند الأجناد من كل بقاع الأرض واصقاعها ، وياتي بأهل الاجرام من كل اصقاع الدنيا، للقتال مع الطرف الآخر؟

في عرف أمريكا… أن  تقديم العون بكل مسمياته لاوكرانيا حلال ومباح، وواجب يرتقي لأن يكون مقدس ووطني !
ولكن في عرفها وسياستها،ان  تقديم العون لأهل فلسطين يعتبر إرهابا؛

وفي سياستها مثلا… انه يحرم على أهل غزة إعادة إعمار ما دمرته آلة الإرهاب الصهيوني، إلا تحت رقابتها  وبموافقة إسرائيل؛
وفي عرف أمريكا السياسي.. يحرم على أهل فلسطين مقاومة المحتل الصهيوني، وأن ذلك يعتبر ويعد إرهابا، فيما يسمى قتل الفلسطينيين العزل وهدم منازلهم والتنكيل بهم.. دفاعا مشروعا عن النفس؛

أي عجب هذا…. مسموح هناك  لأوكرانيا ،كل ما هو  محرم هناااا على أهل فلسطين!

عجيييييب… ومن التعجب ان اسأل… أين هي العدالة والقانون الدولي، وعصبة الأمم وكل مواثيقها ؟
ومن فنون السياسة الأمريكية، تحرشها بالصين، من خلال محاولات الاستفزاز بالتقارب مع تايوان!

من قناعتي الراسخة التي لا ولن ابدلها، أنني ضد تدخل اي دولة انى كان موقعها او مسماها، في اي شان لأي دولة أخرى، ومن ذلك رفضي المطلق والأكيد للاحتلال الإسرائيلي لفلسطين.

وكذلك رفضي القاطع للوجود الأمريكي في اي دولة، وتحت اي مسمى، كما أرفض الوجود الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن وغيرها.

كما أن من قناعتي بانني ضد التسلح النووي لكل الدول، بما فيها الكبرى والصغرى، وانا هنا لا أدافع عن إيران، ولكن… أبين للقارئ الكريم واقع  الحال للسياسة  الأمريكية التي تتلون ووتتبدل بحسب مصالحها ، والتي باتت لا تخفى او تنطلي إلا على  السذج من اهل الأوهام وعديمي الافهام .

وأزيد من الشعر بيتا آخر….
ففي عرف أمريكا وسياستها مثلا ، أنه يحرم على  إيران مثلا.. او اية دولة شرق أوسطية او عربية او إسلامية حيازة السلاح النووي، لكن من سياسة  أمريكا وواقع الحال، بأن ذلك حلال  على إسرائيل ومباح لها بحجة الدفاع عن نفسها !

ومن سياسة أمريكا، يحرم على إيران مثلا التدخل في شأن دول الجوار، وأن قصفها لبعض المدن والبلدات الكردية على حدودها مع العراق، يعد عملا استفزازي وغير مقبول ومخالف للقانون الدولي، وهو كذلك ونقر به !

لكن وعلى الجانب الاخر… لماذا لم نسمع عن رفض أمريكي، للقصف الإسرائيلي المتكرر داخل العمق السوري ، والتعدي على السيادة السورية، والخرق المتكرر لمجالها الجوي !

أين الرفض الأمريكي لذلك؟

من عجائب واقع السياسة الأمريكية ،  ان  إحتلال إسرائيل لأرض فلسطين، وإقامة  المستعمرات عليها  ، وتشتيت شمل أهلها وطردهم  من منازلهم،وسجن الالاف منهم بدون اية تهمة، هي أمور في نصابها الطبيعي، وأن لكل دولة الحق بالدفاع عن نفسها وحفظ أمنها؛

ومن العجائب في  ذلك.. أن إسرائيل المحتلة.. دولة معترف بها دوليا، ولها كامل الحقوق والعضوية في أغلب الهيئات والمنظمات الدولية، ولها الحق في اقتناء وصناعة وتوريد كافة انواع الأسلحة ، فيما ان فلسطين المحتلة عضو مراقب فقط.. ودولة منزوعة السلاح، ولا يسمح لها بإدخال اي قطعة سلاح فردي.. ألا بموافقة إسرائيل.. !

وسؤال لكل قوى ومنظات حقوق الإنسان… في اي عرف يحق إحتلال الارض بالقوة؟

وفي أي عرف يحق لمنظمة او دولة أو كيان، انى كان مسماه، ان يحتفظ بمئات الجثامين، كما تفعل دولة الإحتلال الصهيوني بجثامين المئات من الفلسطينين؟

ولكنها صورة وسلوك عبود وفرعون الذي طغى تتكرر!

وفي عرف أمريكا يحرم تزويد واعانة قوى الشر والإرهاب بأية أموال او أسلحة، لكنها وبكل جرأة أسست ميليشيات “قسد” في الشمال السوري، وزودتها بكل ما يلزم من المال والسلاح، لحماية آبار النفط، التي تسرقها لتصب في احتياطيات النفط لبعض الدول التي تمارس الهيمنة واللصوصية جهارا؛

يحرم على الغير… لكن  يحق  لأمريكا ان تزود  بعض المليشيات الكردية بالسلاح، لإثارة القلاقل مع تركيا والعراق وسوريا في آن معا، مع ان تركيا دولة عضو في حلف الناتو!

ومن عجائب السياسة الأمريكية انه تم وضع  اسم جماعة وميلشيات  الحوثيين في اليمن، ضمن قوائم الجماعات الإرهابية ، ثم ما لبثت ان تم إزالتها من تلك القائمة !
اتعلم أخي القارئ لماذا؟

ببساطة.. لأن الحوثيين هم  من يسيطرون على آبار النفط والموانئ في اليمن،وما أدراك ما النفط والموانئ، يا رعاكم الله… واللبيب من الإشارة يفهم؛

تلكم بعض المشاهد من غطرسة أمريكا على العالم، وتلكم حال الكثير من الدول،وواقع ظلم فرعون الذي يتكرر،   وحال عبود وجمله الأجرب؛

قالوا.. قديما ولا يزال يقال .. أن فرعون ما طغى وتجبر وتفرعن وقال لقومه انا ربكم الأعلى، إلا لأن قومه أطاعوه على ظلمه وجهله وبذلك أعانوه على الظلم ولم يأخذوا على يديه.
ومنه.. أن عبود مضرب المثل سالف الذكر ما ظلم وقسى على قبيلته، إلا لأنهم خافوا سوطه وقسوته.
ويعيش العالم اليوم ، تحت سطوة ظلم بشع، وتزداد الإشارات بحرب نووية، وأخرى ثالثة كارثية، ولا يزال معظم دول العالم وشعوبها، يسيرون في ركاب أمريكا، ويسبحون بحمدها بكرة وعشيا، ولا أحد يجرأ على قول الحق،.. ألا يكفي ظلما وتسلطا وتجبرا.

تصمت بعض الدول.. حتى لا تحرم الهبات والمعونات، فيما تعيش تحت الذل والقهر والفقر والجهل والحاجة.

قيل يقينا……إن دولة الظلم ساعة، ولكن دولة العدل إلى قيام الساعة.

فمتى نتجرأ ونقوى… لنقول لكل ظالم دولي، كما قال ذلك الحارس ”  بعيرك أجرب يا عبود ” ؟

كاتب وباحث أردني.