التأتأة ومخرجاتها في المئوية الثانية / فلحة بريزات

كنانة نيوز –

التأتأة ومخرجاتها في المئوية الثانية

فلحة بريزات

النقد الذي طال مخرجات لجنة تطوير القطاع العام، يتطلب مراجعة متأنية لفلسفة تشكيل اللجان، وتركيبة عدد كبير من شخوصها في بلد تخضع مفاصله الحيوية للتآكل يوماَ بعد يوم بفضل سياسة الإنشاء والعشوائيات.
في معالجتها للواقع الداخلي تكمن المعضلة الكبرى للدولة في أن الماضي بالنسبة لها ميت لا يعود، ولا يستحق منها سوى التكفين، وقراءة الفاتحة، فلا دورس مستقاة يمكن الإستئناس برأيها لترشيد القرار وتجويده .
عند فتح معظم الملفات الوطنية بغية التطوير والتحديث تغيب الرؤى والسياسات، ويحضر الإملاء الخارجي على مائدة القرار الوطني بلا استئذان، ويخضع -أي القرار – لقواعد خارجية صارمة سواء لجهة انتقاء أسماء بعينها، أو صفة الإستعجال التي تغلف القضايا الراقدة على طاولة التخدير .
ونتيجة منطقية لهذا وذاك، يتعاظم الفشل، بسبب غياب القدرة الذاتية على اجتراح حلول واقعية للمشكلات الراهنة على اتساعها، يرافقها حالة من ضعف البصر وموت البصيرة في تبويب الأولويات وفق مصلحة منحازة وطنياً، لا تخضع لموازين المصالح المتشابكة لأصحاب القرار والنفوذ.
لماذا هذه النظرة الكالحة ؟
هي قناعات يقينية باتت تحكم نظرة المواطن الذي اكتملت دائرة فقره بأن مشكلاته تقع خارج مرمى بصر الحكومات، فربع قرن من عمر دولته لم تنتج معالجات حقيقية تُنقل فيها الحالة الأردنية إلى مرحلة أفضل مما كانت عليها في مرحلة الفطام.
ورغم التعقل، ومحاولة إيجاد زاوية بيضاء نراقب من خلالها الصراع الدائر حول تقرير لجنة تحديث القطاع العام الذي تسلم الملك مخرجاتها، حاثا مؤسسات الدولة بضرروة التنسيق والتعاون لتنفيذ برامجها، إلا أن هناك تساؤلات حائرة مقرونة ببعض المعطيات تنتظر إجابات مقنعة، أو مقاربات منطقية توفق ما بين الأسود والأبيض حتى لا يكون مفعول التطوير كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء.
أولا: لا يحتاج الأمر إلى نظرة عميقة حتى تذوب فيها فكرة التنسيق والتكامل في العمل ما بين أطراف المعادلة، فالسائد على الإطلاق وبلا مواربة هو سيادة الخاص على (العام ) والذي يظهر خجولا في الواقع الراهن .
ثانيا: أعمى من يغمض العين عن ردود الفعل المتصاعدة على التخريجات والمخرجات التطويرية للجنة من خبراء ومؤسسات، فقد تغلبت بشكل لافت نقاط الافتراق على نقاط الالتقاء، مما أدخل الجميع في متاهات إدارية جديدة، وعزز بشكل جذري من حالة عدم اليقين -الموثقة أصلا في عقل المواطن – في جدوى مثل هذا اللون من اللجان .
وعودة إلى الأسئلة التي لن تُجاب : من يتحمل وزر فشل التفكير والتخطيط والتنفيذ إن حدث مستقبلا ؟ ومن يخضع للمساءلة إذا جاءت النتائج عكس المعلن لتضيف عبئا جديداَ على الهياكل المتصدعة ؟ وعلى أوضاع الناس المتردية.
هل هي الحكومة التي ستكون في ذمة التاريخ فلا يمكن محاسبتها؟ أم مؤسسات الظل التي تقدم النصح والمشورة وتدير المشهد من وراء حجاب؟ أم رأس الدولة الذي وُضع في الواجهة بعد أن وجه بضرورة ضمان التنفيذ، وقبل أن تخضع المخرجات لكم كبير من القراءة الوطنية تجنبه حرج فشل حكومته جراء هذا الحراك الذي نسف معظم مخرجات لجنة الرئيس وفند مشروعية تشكيلها
في مرمى الجدل، كم من المسميات ظهرت على حين غفلة؟ ومن اللجان تشكلت بمرسوم بمناسبة وبلا… ؟ فتم تسويق شخوصها حينها بأن لا صوت يعلوا على صوتهم.
فجاءت قراراتهم كارثية، حين عملوا بكل ذكاء ودهاء على استجلاب برامج خارجية لتسقطها على الواقع المحلي، ففكفكت زردات مؤسساته قبل أن تكسر رقاب أبنائه.
كيف نصف تفاخر الحكومة بتوقيعها على مزيد من عمليات الاقتراض في بلد سدت مديونيته عين الشمس لضمان سير الحياة العامة على شوارع مرقعة بالديون، وكيف نثق بسياسة غابت عنها الحصافة والحكمة والرؤية، ومصلحة العامة.
لا نُغيب أن الأردن له من الأبناء الصالحين الكم الكبير، ولا ننكر أنه يعاني من تحديات طبيعية وجيوسياية وظلم القربى، لكن التحدي الأعظم هو هذا العقم الذي أصاب عقول السادة فعجزوا كليا عن إدارة الشأن العام وفق متطلبات وضرورات وطنية.
نحن على مفترق طرق ، فالأردنيون يعدون أنفاسهم ، وهم يشاهدون ارتحال واغتراب فلذات أكبادهم.
ألا يعني غياب مفهوم الوطن واحتلال مواطنه الرقم الأول في طلبات الهجرة أي إشارة لسيد البيت…