لمبة العريشة / أحمد حسن الزعبي

لمبة العريشة

أحمد حسن الزعبي

لم يكن عندنا شاشة يتحكّم بها قمر صناعي، كانت شاشتنا #السماء وفيها قمر حقيقي ، لم يكن عندنا “واي فاي” ، كان الشوق الذي يشبك الجميع فيحضرون قبل العشاء دون انقطاع ودون كلمة سرّ، بلا موعد أو حساسية أو ضيق … يتحلّق الجيران حول إبريق الشاي ، الإضاءة الخافتة تعطي الشاي لونا غامقاً على الدوام..حركة “#الطرش” في #الخان دؤوبة ،الوسائد ذات الرؤوس الزرقاء الحريرية المطرّزة جزء أساسي في “التعليلة” . بلا توقيت ،وحدها تتعطّر المساءات برائحة الفمح الضيف في “الحواصل” والتبن الأبيض اللامع الذي يتنّفس في “تبّانات” الحي..”الميرمية” طفلة مشاغبة تحاول أن تداعب الرضيع باهتزازت خلف أمه وترسم لنفسها ظل صفصافة على جدار العريشة ، “المعجن” المركون جانباً يتحرّك على حافة ارتكازه كلما هبّت نسمة طائشة، يقلّد صوت مشية ضابط في الجيش “تيك ..توك..تيك..توك”..المزراب الممدود فوق الرؤوس ، “غليوناً” مطفأ في فم الطين ، حسب حركة القمر ينعكس ظله الطويل لمنتصف الحوش ليصبح ناياً من غير ثقوب ، أما الشبابيك فعيون ناعسة رموشها قضبان وحاجبها “برطوشة” تظلل البيت من قيظ النهار..
كان الأطفال ينامون على ركب أمهاتهم ، كانت الرُّكب حنونة ووثيرة ، تحكي لهم حكايا صامتة، تهزّ لهم بهدوء لا تفهمه الا طمأنينة الخائف أو المتعب ، كانت تشتري لهم أحلاماً غالية من بقالة الليل الطويل وتخبئها بين جفونهم ، رجال الحارة يتبادلون علب “التتن” و”ورق اللف” وقدّاحات الكاز والحديث عن الأرض ، والدراس، وشمس تموز ، وتجار السويداء، وقوافل الحج ، وهمالة العرب ، كانوا يتكلّمون الكثير عن الحياة والقليل عن السياسة الآن نتكلّم الكثير عن السياسة والقليل عن الحياة..كان الليل يتسّع للحي للقرية للإقليم للكون كان الليل واسعاً كعباءة شيخ عشيرة تجمع الجميع يحبّها الجميع ويطيعها الجميع..الآن كل يغني على ليله وليلاه…
منذ ان انطفأت “لمبة العريشة”..فقدنا الكلام…وخسرت الأشياء لغتها..

#احمد_حسن_الزعبي
[email protected]