المخرج السينمائي فيصل الزعبي يكتب ” منازلة الموت “

كنانة نيوز – مقالات –

كتب المخرج السينمائي فيصل الزعبي مقالاً بعنوان ” منازلة الموت “

أكتب شيئاً عن منازلة الموت لي .. بعد عشر سنوات بالتمام والكمال من منازلة الحياة أيضاً .. كيف بكيت؟ وعلى من؟ وما هو الخوف الذي انتابني أثناء سحبي لمنطقة الموت المظلمة؟ وما هو الارتجاف بعد العودة لبصيص ضوء الحياة الراعفة ؟

.. أكتب عن الأخوات اللواتي مسحن جبيني .. ونظرات الطبيب الباردة وأمي الشجاعة .. والألم الذي يفلق الصوان .. كتابة قد تريح كتفي من تجربة ثقيلة ..

منازلة الموت لي أنا الذي لا يحتمل فراشة وهو الثور الأسود بمئة قرن .. الموت شيء لا شبيه له

1

منازلة غير متكافئة .. كنت وراء كاميرتي، أخرج فيلماً وثائقياً بروح الدراما التي أحبها ..

في لحظة غامضة عابرة .. هاجمني وحش غريب .. ضغط على عنقي من الخلف .. وغبتُ .. نمتُ .. غفوتُ .. لا أعرف أين كنت ولا أين ذهبت ..

فقط تذكرتُ شكسبير في هاملت (الموت نومٌ ثم نومٌ ثم لا شيء )

2

لا أذكر يوماً أنني قمتُ بمنازلة أحد .. ولم أدع أحداً لمنازلتي .. فقط هي مصارعات أطفال أشقياء على بيدر من القمح، كي لا تنهرس عظامنا الطرية .. وكنت أرتعب دائماً على قميصي الوحيد … وخوفاً على نصف حذائي، كنت لا أنازل سوى الخيال والكلمات والأفكار الجهنمية ..!

هذه المرة .. يأتيك الغامض للمنازلة دون إذن، ودون النظر في العينين .. فقط يكمن لك كوحش وأنت تأكل عشباً أخضرَ.. تصير بلحظة عابرة ..فريسةً مشتهاة لوحش له أنياب في كل أجزاءه .. و تمت المنازلة ..

هذه المنازلة لا تطلب إذناً ولا تتذكر أنك لا تتقنها ..

تماماً سقوط في بحر عميق وأنا لا أتقن السباحة .. ولا أصابع تنتشلك ..

فبكيت..

3

في الجولة الأولى أسقطني .. ليس أرضاً بل أسقطني على فراغٍ يشبه اللاوجود .. خفة غريبة انتابتني .. محترفاً كان الموت .. مبتسماً .. في الجولة الأولى كان سريعاً خاطفاً .. لعوباً مؤلماً .. وكأنه صديق .. حبيب .. صفعك على حافة هاوية ..

ترنحت .. وغبت في اللاوجود وأحواله ..

وبكيت ..

الموت عندما ينازل أحداً .. ليس بالضرورة أن يكرهك أو تحداك فنازلك .. هي هواية جهنمية له

.. وليس بالضرورة يبغى انتصاراً حاسماً ..

كنمر وجد رضيعَ غزال .. يلاعبه حتى يتمنى الرضيع أن يؤكل ..

اللعب مع المخالب بجلد رقيق يؤلم

وبكيت

4

من المنازلة الأولى اكتشفت أن الموت لا ينازلني وحيداً بل معه الحياة .. قوتان متحدتان .. يتناوبان في الركل ولعبة الروليت .. الموت لم يكن يوماً وحيداً .. هو يحتاج لمساعدين .. كي يختفي في جمهرة غامضة مثله ..

في المنازلة الأولى كان مرافقا له المساعد الأول .. هي الحياة .. لديهما تفاهم خفي .. يتغامزان كلصين محترفين ..

إثنان لواحد .. هذه تمسك يدك والآخر يركلك .. الحياة معك وعليك والموت كذلك

فبكيت

5

لا تجربة مسبقة أمام منازلة الموت .. لو كان عمرك تسعون قرناً .. الموت دائماً هو أول مرة .. انتهازي .. يعرف عن سبق إصرار أنك غر .. ولأن الموت لا ينازلك إلا معه الحياة .. ليس لديه الشجاعة أن يكون وحده .. ثنائي الخطوات ..فقط تنقذك التجربة في منازلة الحياة .. تهزم الحياة أولاً فيهرب الموت .. والموت يبقى قوياً ولا يمكن هزيمته إلا بهزيمة ظله .. هنا عليك أن لا تبدأ منازلتك للموت في البداية .. ركّز على الحياة .. لأنها تعرفك أكثر .. وتعرف تجربتك وقوتك وتجس نبضك جيداً ..( من أين لي أعرف قبل ذلك ).. الموت أصم .. أعمى ..أخرس .. فقط مخالب ورأس بلا رقبة .. يشبه الضبع .. يمزقك حياً .. لطنه من فصيلة القطط الكبيرة .. لا يأكلك حيا ..

6

الحديث عن الموت حديث عن الحياة .. يقول العلم ..أن خلايا الإنسان تموت كل لحظة وتخلق غيرها من جديد كل لحظة .. ومثلها الأفكار والعادات والسلوك وكل البنى الفوقية في الحياة ..إذاً موت والحياة متلازمان لخلق شيئاً ثالثاً لكأنه وهمي خيالي .. واقعي بصلافة

ما الذي يموت فيك ومنك وما الذي يحي فيك ويبقى .. كأنها الصورة .. صورة تتحرك ببطء من الطفولة للشباب للشيخوخة .. هكذا فعل فوتوشوب الزمن .. أنت لست جثة تذوي هكذا .. بل مجموع مِن ال أنت .. أفكارك معارفك محبيك كارهيك متربصين ..كمائن أمنيات .. بنية كاملة تتلبس كينونتك المفردة.. لكنك لست مفرداً على الأطلاق ..

عندما يموت فيك المفرد الكلي تبقى الكينونة الكبرى / الكلي الكلي منك .. لزمن قد يطول وقد يقصر ..

وعندما تُنسى يموت الكل الكلي منك ..

إذاً هي منازلة موت كل لحظة .. لكنك تنازل المفرد منك حتى تأتي المنازلة الكبرى ..

ما حدث وأكتب عنه هي المنازلة الكبرى في الموت المفرد من الكلي الذي ربما لا يموت ..

في لحظة ما هوت جثتي فجأة .. وأنا أتفرج عليها ممددة كشجرة أصابها ملل الأرض ..وأسقطتها دودة صغيرة في قعر الساق .. ساق الإنسان دماغه ..

أما الساق البيولوجية هي عكازة الزمن لا أكثر .. بدأ المفرد بالاحتضار .. وبدأت المنازلة الخادعة ..

وتنفستْ الصعداء خرافات كثيرة من حولي

وبكيت..

وعندما مر شريط الأصدقاء الكورتونيون .. ضحكت…